الآلوسي
94
تفسير الآلوسي
مقبلين على عبادتها أو مستديرين حولها . وهذا أيضاً على ما قيل من جملة إطنابهم . * ( قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ) * * ( قَالَ ) * استئناف مبني على سؤال نشأ من تفصيل جوابهم * ( هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ ) * دخل فعل السماع على غير مسموع ، ومذهب الفارسي أنه حينئذٍ يتعدى إلى اثنين ولا بد أن يكون الثاني مما يدل على صوت فالكاف هنا عنده مفعول أول والمفعول الثاني محذوف والتقدير هل يسمعونكم تدعون وحذف لدلالة قوله تعالى : * ( إذْ تَدْعُونَ ) * عليه . ومذهب غيره أنه حينئذٍ متعد إلى واحد ، وإذا وقعت بعده جملة ملفوظة أو مقدرة فهي في موضع الحال منه إن كان معرفة وفي موضع الصفة له إن كان نكرة . وجوز فيها البدلية أيضاً . وإذا دخل على مسموع تعدى إلى واحد اتفاقاً ، ويجوز أن يكون ما هنا داخلاً على ذلك على أن التقدير هل يسمعون دعاءكم فحذف المضاف لدلالة * ( إذ تدعون ) * أيضاً عليه ، وقيل : السماع هنا بمعنى الإجابة كما في قوله صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أعوذ بك من دعاء لا يسمع " ومنه قوله عز وجل : * ( إنك سميع الدعاء ) * أي هل يجيبونكم وحينئذٍ لا نزاع في أنه متعد لواحد ولا يحتاج إلى تقدير مضاف . والأولى إبقاؤه على ظاهر معناه فإنه أنسب بالمقام ، نعم ربما يقال : إن ما قيل أوفق بقراءة قتادة . ويحيى بن يعرم * ( يسمعونكم ) * بضم الياء وكسر الميم من أسمع والمفعول الثاني محذوف تقديره الجواب . و * ( إذ ) * ظرف لما مضى . وجىء بالمضارع لاستحضار الحال الماضية وحكايتها . وإما كون هل تخلص المضارع للاستقبال فلا يضر هنا لأن المعتبر زمان الحكم لا زمان التكلم وهو هنا كذلك لأن السماع بعد الدعاء ، وقال أبو حيان : لا بد من التجوز في * ( إذ ) * بأن تجعل بمعنى إذا أو التجوز في المضارع بأن يجعل بمعنى الماضي . واعتبار الاستحضار أبلغ في التبكيت . وقرئ بإدغام ذال * ( إذ ) * في تاء * ( تدعون ) * وذلك بقلبها تاء وإدغامها في التاء . * ( أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ) * * ( أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ ) * بسبب عبادتكم لهم * ( أَوْ يَضُرُّونَ ) * أي يضرونكم بترككم لعبادتهم إذ لا بد للعبادة لا سيما عند كونها على ما وصفتم من المبالغة فيها من جلب نفع أو دفع ضر . وترك المفعول للفاصلة . ويدل عليه ما قبله ، وقيل : المراد أو يضرون من أعرض عن عبادتهم كائناً من كان وهو خلاف الظاهر الذي يقتضيه العطف . * ( قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) * * ( قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا كَذَلكَ يَفْعَلُونَ ) * أضربوا عن أن يكون لهم سمع أو نفع أو ضر اعترافاً بما لا سبيل لهم إلى إنكاره واضطروا إلى إظهار أن لا سند لهم سوى التقليد فكأنهم قالوا : لا يسمعون ولا ينفعوننا ولا يضرون وإنما وجدنا آباءنا يفعلون مثل فعلنا ويعبدونهم مثل عبادتنا فاقتدينا بهم . وتقديم المفعول المطلق للفاصلة . * ( قَالَ أَفَرَءَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ) * * ( قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدونَ ) * أي أنظرتم فأبصرتم أو تأملتم فعلمتم أي شيء استدمتم على عبادته أو أي شيء تعبدونه . * ( أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ الاَْقْدَمُونَ ) * * ( أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُم الأَقْدَمُونَ ) * والكلام إنكار وتوبيخ يتضمن بطلان آلهتهم وعبادتها وأن عبادتها ضلال قديم لا فائدة في قدمه إلا ظهور بطلانه كما يؤذن بهذا وصف آبائهم بالأقدمين . وقوله تعالى : * ( فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِىإِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) * * ( فَإنَّهُمْ عَدُوٌ لِّي ) * قيل : تعليل لما يفهم من ذلك من إني لا أعبدهم أو لا تصح عبادتهم ؛ وقيل : خبر لما كنتم إذ المعنى أفأخبركم وأعلمكم بمضمون هذا . واختار بعض الأجلة أنه بيان وتفسير لحال ما يعبدونه التي لو أحاطوا بها علماً لما عبدوه أي فاعلموا أنهم أعداء لعابديهم الذين يحبونهم كحب الله تعالى لما أنهم يتضررون من جهتهم تضرر الرجل من جهة عدوه فإطلاق العدو عليهم من باب التشبيه البليغ .